محمد هادي معرفة

394

التمهيد في علوم القرآن

قال : قد أجمع الجميع على أنّ الكناية أبلغ من الإفصاح ، والتعريض أوقع من التصريح ، وأنّ للاستعارة مزية وفضلا ، وأنّ المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة . قال : وأمّا الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزيّة والفخامة أنك إذا قلت : رأيت أسدا ، كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة ، حتى جعلتها كالشئ الذي يجب له الثبوت والحصول ، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده . وذلك أنه إذا كان أسدا فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة ، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرّى عنها . وإذا صرّحت بالتشبيه فقلت : رأيت رجلا كالأسد كنت قد أثبتّها إثبات الشيء يترجّح بين أن يكون وبين أن لا يكون ، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء . قال : وحكم التمثيل والاستعارة سواء ، فإنك إذا قلت : أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى ، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحيّر والتردّد ، كان أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر ، فتقول : قد جعلت تتردّد في أمرك . فأنت كمن يقول : اخرج ولا أخرج ، فيقدّم رجلا ويؤخّر أخرى « 1 » . قال جلال الدين السيوطي : التشبيه من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها واتّفق البلغاء على أنّ الاستعارة أبلغ منه ، لأنّ الاستعارة مجاز والتشبيه حقيقة ، والمجاز أبلغ . فإذا الاستعارة أعلى مراتب الفصاحة . وكذا الكناية أبلغ من التصريح ، والاستعارة أبلغ من الكناية ، لأنّها كالجامعة بين كناية واستعارة . وأبلغ أنواع الاستعارة ، التمثيلية ، كما يؤخذ من الكشّاف . ويليها المكنية ، صرّح به الطيّبي ، لاشتمالها على المجاز العقلي . والترشيحية أبلغ من المجرّدة

--> ( 1 ) دلائل الاعجاز : ص 48 و 50 .